أحمد مصطفى المراغي

22

تفسير المراغي

من جنسكم زوجات ، لتتوالدوا ، ويكثر النسل ، ويستمر بقاء هذا النوع ، وجعل للأنعام مثل هذا ، وبذا تنتظم شؤون الحياة لهذا الخليفة الذي جعله اللّه في الأرض ، وتقضى مآربه الدنيوية من مأكول ومشروب ، وتستمر تغذيته على أتم النظم ، وأكمل الوجوه ، فيشكر ربه على ما أولى ، ويعبده على ما أنعم ، فيفوز بالسعادة في الحياة الآخرة كما فاز بها في الدنيا . وقوله « فيه » أي في هذا التدبير وهو التزويج ، فهو سبحانه جعل الناس والأنعام أزواجا ليكون بين ذكورهم وإناثهم التوالد والتناسل ، فيكون هذا التدبير كالمنبع والمعدن لهذا التكثير في النسل . وبعد أن ذكر بعض صنعه الدال على عظمته أرشد إلى بعض صفاته العظيمة فقال : ( 1 ) ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) أي ليس كخالق الأزواج شئ يزاوجه ، لأنه الفرد الصمد ، وقد يكون المعنى ليس مثله شئ في شؤونه التي يدبرها بمقتضى قدرته الشاملة ، وعلمه الواسع ، وحكمته الكاملة ، ومن ثم جعل هذا التدبير المحكم لإحاطة علمه بكل شئ . ( 2 ) ( وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) أي وهو السميع لما ينطق به خلقه من قول ، البصير بأعمالهم لا يخفى عليه شئ مما كسبت أيديهم من خير أو شر . ( 3 ) ( لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) أي له تعالى مفاتيح خزائن السماوات والأرض فبيده مقاليد الخير والشر ، فما يفتح من رحمة فلا ممسك لها ، وما يمسك منها فلا مرسل له من بعده ، وقد بين هذا بقوله : ( يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ ) أي يوسع رزقه وفضله على من يشاء من خلقه ويقتّر على من يريد ، بحسب السنن والنواميس التي وضعها بين عباده في هذه الحياة . ثم ذكر سبب هذا البسط والتقتير فقال : ( إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) أي إنه تعالى عليم بكل ما يفعله من توسعة على من يوسع